عبد الوهاب الشعراني
156
لواقح الأنوار القدسية في بيان العهود المحمدية
كلامه ، لم يجبك إلا إن كنت مضطرا ، فتسامح بمناجاته بغير كلامه تعجيلا لزوال الاضطرار ، فعلم أن المريد لا يزال يراعي الأدب إيمانا حتى يصير مشهودا ويصير يتأدب مع اللّه خارج الخلوة كما مر في الكتاب ، وو اللّه لو كشف عن المؤمن الحجاب لما قدم على مجالسته تعالى شيئا ولكان الحجاب عليه أشد من دخوله النار . وانظر إلى اعتناء الحق جل وعلا بمحمد صلى اللّه عليه وسلم كيف جعل عينيه تنامان ولا ينام قلبه ، تعجيلا لنعيمه في الدنيا قبل الآخرة من غير أن ينقص من نعيمه الأخروي شيء ، وهذا المقام لغيره من الأنبياء ولكل وارث له من بعده ، فتنام عيناه ولا ينام قلبه ، وذلك ليكون حكمه من حيث شهود الحق تعالى كاليقظان ، وحكمه من جهة راحة جسده كالنائم ، ليعطي كل ذي حق حقه ، فعلم أن نوم الأكابر لا ينقص به رأس مالهم ، وإنما هو من نعمة اللّه تعالى عليهم لكونه غلبة لا تعمل لهم فيه ، بخلاف من يتعمل ويفرش تحته طراحة ويضع له مخدة لغير ضرورة فإن مثل هذا ينقص رأس ماله بيقين . واعلم يا أخي أنه يحتاج من يريد العمل بهذا العهد إلى السلوك على يد شيخ وإلا فمن لازمه غالبا غفلته عن حضرة ربه بشهوة من شهواته فإنه ما تعاطاها مع معرفته بأنها تخرجه عن حضرة ربه إلا وهو مختار لها ، ففيها رائحة اختيار مجالسة غير الحق على الحق ، وذلك يكاد أن يكون حراما وأكثر الناس في غمرة ساهون عن جميع ما قلناه ، فلا يزال السالك يترك شهوة بعد شهوة حتى لا يكون بينه وبين ربه إلا حجاب العظمة ويصير مشاهدا لربه بلا كلفة كما لا يتكلف لدخول النفس وخروجه ، وما دام يغفل ويسهو فهو لم يتحقق بالمقام ومن هنا حفظ من حفظ من الأولياء ووقع من وقع منهم وبالجملة فما دام مع العبد بقية غفلة فمن لازمه الحجاب ووقوعه فيما لا يليق وهو ما لم يأمره الحق به ولم يحثه عليه ، إذ العبد لا يجالس الحق تعالى إلا في فعل المأمورات أو اجتناب المنهيات ، وما عدا ذلك فلا يقدر على مجالسته فيه أبدا إنما هو يجالس الكون . وسمعت سيدي عليا الخواص رحمه اللّه يقول : من شرط الكامل أن لا يعمل بقول من الأقوال إلا مع الحضور مع صاحب القول من الحق تعالى أو رسوله صلى اللّه عليه وسلم أو أحد من الأئمة أو مقلديهم ، فإذا كان يوم القيامة امتدت مجالسته المذكورة وانبسطت في الزمان وتنعم مع أصحابها بقدر مقامه في الحضور معهم ، ومن لم يحضر حال العمل مع صاحب ذلك الكلام الذي عمل به لم يتنعم يوم القيامة بشهود أصحابه ولا كأنه جالسهم قط . وسمعت أخي أفضل الدين رحمه اللّه يقول : كل مقام لا يذوقه العبد هنا لا يعطاه هناك . فاسلك يا أخي على يد شيخ ناصح إن أردت أن تكون من أهل اللّه تعالى ، وإلا فأنت غافل عن اللّه تعالى في أكثر عباداتك كلها واللّه يتولى هداك .